الخميس، 17 مارس، 2011

شعر الفكاهة عند العرب

شعر الفكاهة عند العرب
بقلم / إسماعيل بريك
حظي ديوان العرب بنصيب وافر من شعر الفكاهة في مختلف العصور . وهو شعر هادف يعالج قضايا اجتماعية وإنسانية بأسلوب رقيق معتمدا علي التناقض واللعب بالألفاظ فهو نزهة للنفوس يطبع الابتسامة علي وجه المتلقي فتنفرج أساريره ويشعر براحة البال وطمأنينة النفس وهذا اللون من الأدب الساخر يمتليء دائماً بالطرافة وخفة الظل ويطلق عليه أيضاً أدب التنكيت والتبكيت ومن أمثلته :
* قيل لأعرابي : من لم يتزوج اثنتين لم يذق طعم الحياة فتزوج اثنتين وندم علي ذلك فقال :
تزوجت اثنتين لفرط جهلي
بما يشقي به زوج اثنتين
فقلت أصير بينهما خروفاً
ينعم بين اكرم نعجتين
فصرت كنعجة تضحي وتمسي
تداول بين اخبث ذئبتين
لهذي ليلة ... ولتلك أخري
عتاب دائم في الليلتين ( 1 )
* وقد عارض هذه القصيدة الشاعر السعودي المعاصر / احمد سالم باعطب بقصيدة يقول فيها :
قالوا السعادة أن تعاشر زوجتين
تقضي الحياة منعما وقرير عين
أني اتجهت فهذه من شوقها
تهفو إليك وتلك باسطة اليدين
تتسابقان إلي رضاك تودداً
غصن يعانق في الرياض حمامتين
إن قبلت " هند " جبينك قبلة
طبعت بثينة فوق ثغرك قبلتين
* ويصور لنا الشاعر الرقيق / احمد سالم باعطب ما يعانيه عندما رجع لزوجته الأولي فطردته إلي زوجته الثانية التي طردته هي الأخري قائلا :
ورجعت للأولي فقالت عد لها
هل كنت تحسبنا بدارك نعجتين
ما كنت ادري أن قلبك سلعة
في كل حانوت يباع بدرهمين
* ويقرر الشاعر أن السعادة التي كان ينشدها عند زوجتيه لم تتحقق فيحزم كل حقائبه هرباً منهن فيقول :
يا زوجتي حزمت كل حقائبي .
ورحلت لن أبقي ضحية ضرتين
في ظل واحدة تجرعت الأسي
وشربت كأس الموت في ظل اثنتين ( 2 )
* وتباري شعراء المهجر في شعر الفكاهة فقد روي جورج صيدح أن نعمة قازان " وكان صاحب محل أحذية اهدي إلي " توفيق ضعون " " حذاءً " أرفقه بهذين البيتين من الشعر :
لقد اهديت " توفيقاً " حذاءً
فقال الحاسدون وما عليه !
أما قال الفتي العربي يوماً
شبيه الشيء منجذب إليه !
فشكره توفيق علي الهدية وأرسل إليه باقة من الورد وأرفق بها هذين البيتين :
لو كان يهدي إلي الإنسان قيمته
لكنت أسألك الدنيا وما فيها
لكن تقبلت هذا النعل معتقداً
أن الهدايا علي مقدار مهديها ( 3 )
* ومن الشعراء الذين اشتهروا بالفكاهة والطرائف الشاعر " أبو دلامة " الذي يروي عنه انه دخل علي المهدي في مجلسه وعنده إسماعيل بن محمد وعيسي بن موسي والعباس بن محمد فقال له المهدي أنا أعطيت الله عهداً لئن لم تهج واحداً ممن في البيت لأقطعن لسانك . فنظر إليه الحاضرون وكلما نظر إلي واحد منهم غمزه بان عليه رضاه فقال أبو دلامة " فعلمت أني قد وقعت ولم أر أحدا أحق بالهجاء مني فقلت :

ألا أبلغ لديك أبا دلامة
فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العمامة صار قرداً
وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت دمامة وجمعت لؤماً
كذاك اللؤم يتبعه الدمامة
فان تك قد أصبت نعيم دنيا
فلا تفرح فقد دنت القيامة ( 4 )
* فضحك الجميع وخرج " ابو دلامة " من ذلك الموقف بذكائه وفطنته وأمر له المهدي بجائزة
ويروي أن أبا دلامة سكر ذات ليلة فأتي به إلي المهدي فأمر بان يحبس في بيت الدجاج فلما مضي جزء من الليل صحا أبو دلامة من سكره ورأي نفسه بين الدجاج فصاح يا صاحب البيت فأجابه السجان قائلا : ما لك يا عدو الله ؟ قال له : ويلك ، من أدخلني مع الدجاج ؟ قال : أعمالك الخبيثة أتي بك إلي أمير المؤمنين وأنت سكران . فأمر بتمزيق طيلسانك الذي كان قد أهداه إليك وبحبسك مع الدجاج . قال أبو دلامة : ويلك أو تقدر علي أن توقد سراجاً وتجيئني بدواة وورق ؟ فأتاه بدواة وورق . فكتب إلي المهدي أبياتا يقول فيها :
أمير المؤمنين فدتك نفسي
علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلي السجون بغير ذنب
كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان وجدي
ولكني حبست مع الدجاج
* ثم قال أوصلها إلي أمير المؤمنين فأوصلها إليه السجان . فلما قرأها المهدي أمر بإطلاقه وإحضاره وقال له : اين بت الليلة يا ابا دلامة ؟ قال : مع الدجاج يا امير المؤمنين . قال فما كنت تصنع ؟ قال : كنت اقاقي معهن حتي أصبحت . فضحك المهدي وامر له بصلة جزيلة وخلع عليه كسوة شريفة .


* وقال أبو الشمقمق في وصف حاله :
برزت من المنازل والقباب
فلم يعسر علي احد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي
سماء الله أو قطع السحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتي
علي مسلما من غير باب
لأني لم أجد مصراع باب
يكون من السحاب إلي التراب ( 6 )
* قال محمد بن الحجاج راوية بشار بن برد : مات لبشار حمار فقال : رأيت حماري البارحة في النوم فقلت له : ويلك ، مالك مت ؟ قال : انك ركبتني يوم كذا فمررنا علي باب الاصبهاني فرأيت أتانا عند بابه فعشقتها فمت وانشد :
سيدي خذ لي أمانا
من أتان الاصبهاني
إن بالباب أتانا
فضلت كل أتان
تيمتني يوم رحنا
بثناياها الحسان
وبحسن دلال
سل جسمي ويراني
ولها خد أسيل
مثل خد الشنفراني
فبهامت ولو عشت
اذا طال هواني
* فقال له رجل : يا ابا معاذ ما الشنفراني ؟ قال : هو شيء يتحدث به الحمير فإذا لقيت حمارا فاسأله ( 7 ) .
* ويروي ان " عبد الحميد الديب " الشاعر البائس اراد ان يشرب اللبن عند لبان بالحي الحسيني – اسمه ( المالكي ) – إلي اجل فرفض اللبان فقال الديب متهما الرجل بالغش :
بريء منك مولانا ابن مالك
رماك الله في شر المهالك
لبانك كلها سم زعاف
ومن غش البرية رأس مالك
فويلك من رجال الحي طراً
ونسوته اذا علموا بذلك ( 8 )
كما يصف الشاعر البائس عبد الحميد الديب حاله من الأسي والبؤس فيقول :
وهام بي الأسي والبؤس حتي
كأني عبلة والبؤس عنتر
كأني حائط كتبوا عليه :
هنا يا أيها المزنوق طرطر ( 9 )
* ومن الطرائف أن أمير الشعراء احمد شوقي كان صديقا للدكتور / محجوب ثابت زعيم حزب العمل في ذلك الوقت وكان سليمان فوزي صاحب مجلة " الكشكول " قد دأب علي مهاجمة الدكتور / محجوب في مجلته وحاول شوقي أن يصلح بينهما لكن الدكتور / محجوب كان يثور ويقول : " يشتمني في زفة ويصالحني في عطفة " فكتب شوقي علي لسان الدكتور / محجوب ثابت شعراً يقول :
يميناً بالطلاق وبالعتاق
وبالدنيا المعلقمة المذاق
وبالخطب الطوال وما حوته
وان لم يبق في الأذهان باق
وكسري الشعر إن أنشدت شعراً
ونطقي القاف واسعة النطاق
أيشتمني سليمان بن فوزي
و" بيبي " في يدي ومعي " تباقي "
وتحت يدي من العمال جمع
يشمر ذيله عند التلاقي
تقاقي ذقنه من غير بيض
ولي ذقن تبيض ولا تقاقي
ألا " طز " علي العيهور " طز "
وان ابدي مجاملة الرفاق
بقارعة الطريق ينال مني
ويوسعني عناقا في الذقاق ( 10 )
* ومن الشعر الفكاهي الطريف الغير معروف قائله هذه المقطوعة :
بعث امرؤ لأبي عزيزة مرة
برسالة يبكي ويضحك ما بها
فيها يقول أريد منك صبية
حسناء معروف لديكم أصلها
وأديبة ولطيفة وعفيفة
وحليمة ورزينة في عقلها
قد أحرزت في العلم غير شهادة
وعلي النسا طرأ تفوق بفضلها
وتكون أيضا ذات مال وافر
تعطيه من بعد الزواج لبعلها
وأريد منها أن تكون مطيعة
أمري فتتبعني وتهجر أهلها
* فاجابه أبو عزيزة قائلا :
وافي كتابك سيدي فقرأته
وعرفت هاتيك المطالب كلها
لو كنت اقدر أن أري من تشتهي
طلقت أم عزيزة وأخذتها


* ومن الشعر الفكاهي الطريف أيضا قول أعرابي :
أحب بنيتي ووددت أني
دفنت بنيتي في جوف لحد
فإما أن أزوجها غنيا
وابقي عنده في ثوب عبد
وإما أن أزوجها فقيرا
وتبقي عنده والهم عندي
وإما أن أزوجها سفيها
فيلعن أمها ويسب جدي
سالت الله يأخذها قريبا
ولو كانت اعز الناس عندي
* وهناك نوع أخر من الشعر الفكاهي يسمي " الشعر الحلمنتشي " وأول من استحدث هذا النوع هو الشاعر / حسين شفيق المصري المتوفي عام 1948 وهو يجمع بين الفصحي والعامية وكلمة " الحلمنتيشي " منحوته من كلمتين " حلا " من حلا الشيء حلاوة و " منتيشي " من نتش الشيء إذا جذبه والنتاش في العامية المصرية هو الفشار فتكون معني " الحلمنتشي " الفشر اللذيذ .
وقد أجاد الشاعر حسين شفيق المصري هذا اللون من الشعر فعارض المعلقات بقصائد اسماها المشعلقات منها علي سبيل المثال معارضته لقصيدة طرفة بن العبد التي مطلعها :
لخولة أطلال ببرقة ثهمد .
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
* يقول الشاعر / حسين شفيق المصري في قصيدته الفكاهية :
لزينب دكان بحارة منجد
تلوح بها أقفاص عيش مقدد
فمالي أراني وابن عمي مصطفي
متي أدن منها ينأ عنها ويبعد
يقول وقد ألقي الرغيف وسابني
الست تري زوجها عويس بن احمد
فاقبل زوج الست يلعن أمها
ويسعي إلينا بالمداس المهربد
ستبدي لك " العصيان " ما كنت جاهلا
ويأتيك " بالمركوب " من لم تهدد ( 11 )
* وننتقل إلي المعلم فهو صاحب رسالة سامية وهو مربي للأجيال تناوله الشعراء لبيان فضله والحث علي احترامه وتقديره وقصيدة أمير الشعراء احمد شوقي التي مطلعها :
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشيء أنفسا وعقولا
* عارضها الشاعر الفلسطيني / إبراهيم طوقان المتوفي عام 1941 م وهو شقيقي الشاعرة / فدوي طوقان وقد توفي عن عمر يناهز 36 عاما قائلا :
شوقي يقول وما دري بمصيبتي
قم للمعلم وفه التبجيلا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التدريس شوقي ساعة
لرأي الحياة شقاوة وخمولا
أقعد فديتك هل يكون مبجلا
من كان للنشيء الصغير خليلا
حسب المعلم ذلة ومهانة
حمل الدفاتر بكرة وأصيلا
مئة علي مئة إذا هي صححت
وجد العمي نحو العيون سبيلا
فأنا أصحح غلطة نحوية
مثلا واتخذ الكتاب دليلا
مسترشدا بالغر من آياته
أو بالحديث مفصلا تفصيلا
وأكاد ابعث سبوبه من الثري
وذويه من أهل العصور الأولي
وتري حماراً بعد هذا كله
رفع المضاف إليه والمفعولا
لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة
ووقعت ما بين البنوك قتيلا
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا
* وهناك الشاعر عبد الله بن محمد العسكر الذي يعبر عن معاناة المعلم أثناء قيامه بالملاحظة في الامتحانات العامة فيقول :
شأني وشأن أولئك الطلاب
يدعو إلي الإضحاك والإعجاب
فانا وإياهم نعيش بغرفة
مملوءة بالخوف والإرهاب
ذا يبتغي قلما وذلك آلة
فانا هنا في جيئة وذهاب
وصرير أقلام وسحب مساطر
وتنفس عال وعضة ناب
ولربما دس الخبيث بمكره
" برشامه " في باطن الأتراب
وتراه يرمق مقلتيك لعله
يحظي بسرق كليمة وجواب
في الصبح يرقبني المدير مرددا
ببلاغة الإسهاب والإطناب
" لا تجلسن " " لا تنطقن " " لا تغفلن "
احذر تنبه من عيون ذئاب
ولو أنني أطرقت طرفي لحظة
في الأرض لاستلت سيوف عتاب
كم ساعة مرت علي بثقلها
اقسي وانكي من طعان حراب
لا تعذلوني إن سقطت مجندلا
بين الكراسي فاقدا لصوابي
إني أقول فأنصتوا لمقالتي
يا معشر الأحباب والأصحاب
كل البلايا قد تهون علي الفتي
إلا بلاء معلم الطلاب
* وأختتم هذه الدراسة في شعر الفكاهة بقصيدة للشاعر اللبناني / اسعد رستم وهو يصف رأس صديقه الصلعاء فيقول :
لصديقنا في رأسه صحراء
جفت فلا عشب بها أو ماء
وكأنها الميدان من بعد الوغي
فني الجميع فما بها أحياء
كصحيفة البلور يلمع سطحها
ولها بياض ناصع وضياء
في الليل لا يحتاج قنديلا فمن
إشراقها تتبدد الظلماء
ولقد سمعناه يقول ودمعه
يجري فيعمي مقلتيه بكاء
كم من دوا " للشعر " قد جربته
يوما فراح سدي وظل الداء
قلنا له مهلا لم هذا البكا
فاسمع ففي هذا الكلام عزاء
إن زال شعرك وابتليت بصلعة
فالآن فيك نباهة وذكاء
فأجاب لا شرف أريد ولا علا
هلا لديكم للشعور دواء
* فما أجمل الشعر الفكاهي عند العرب الذي يهذب النفس ويسمو بها إلي الصفاء والنقاء
والله من وراء القصد .






















المراجع والمصادر /
1- بهجة المجالس وانس المجالس للقرطبي – دار الكتب العلمية ببيروت .
2- عيون تعشق السهر ديوان الشاعر / احمد سالم باعطب – دار الأصبهاني – جدة
3- الأدب العربي وتاريخه في العصر الحديث – د . محمد سعد حسين الطبعة الثانية سنة 1407هـ .
4- الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني – دار الكتب العلمية ببيروت – لبنان – الطبعة الأولي عام 1407هـ.
5- 8- الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها – الجزء الأول د . احمد محمد الحوفي – مكتبة نهضة مصر بالفجالة .
9- الشاعر عبد الحميد الديب – حياته وفنه د . عبد الرحمن عثمان – إصدارات دار المعارف بمصر سنة 1968
10- الفكاهة في الأدب أصولها وأنواعها . الجزء الأول د . احمد محمد الحوفي – المصدر السابق .
11- الشعر الحلمنتيشي . تأليف محمد شفيق المصري – إصدارات دار الراية للنشر والإعلام – مسقط .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق